محمد أبو زهرة

1447

زهرة التفاسير

مَوْلاكُمْ أي أن اللّه الخالق لكل ما في الوجود ، والذي بيده مقاليد كل شئ ، والمسيطر القوى الجبار القاهر فوق عباده هو مولاكم ، فعليكم أن تطلبوا ولايته ، ومن اعتصم به فقد آوى إلى ركن ركين ، وحصن حصين ، وذكر هذا الأمر بصيغة الخبر للإشارة إلى أن المؤمن بمقتضى كونه مؤمنا هو في ولاية اللّه تعالى فلا يخرج عنها ، وولاية اللّه تعالى تقتضى أن يكون في ولاية المؤمنين ، لا يخرج عن جماعتهم ولا يسلك غير سبيلهم ، ولا يطيع أعداءهم ، أو يمالئهم ، أو يسايرهم ، فإن ذلك يكون محادة للّه ولرسوله ومشاقة للّه ولرسوله ، واللّه تعالى يقول : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . ( 22 ) [ المجادلة ] ويقول سبحانه جلت حكمته : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) [ النساء ] . وإذا كانت النفوس الضعيفة تجد في الالتجاء إلى الكافرين بعض الحماية فلتعلم أن المعاذ والنصرة من عند اللّه ؛ ولذا قال سبحانه : وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ . أي أن اللّه تعالى هو الذي ينصر المؤمنين ، ونصره هو المؤكد المحتوم الباقي ، وهو نصر مالك القوى كلها ، والمسيطر على العالم بكل ما فيه ومن فيه وما تجرى به الأسباب ، وما ارتبطت به شؤون الناس والكون ، ولذلك كان نصره خير نصر ، إذ هو أدومه وأقواه ، وما عند الناس من نصر فهو ظاهري ، ولا يتحقق إلا بأسباب قدّرها ، فهو المسيطر المريد لكل ما يقع في الكون ، ونصر اللّه تعالى معه العزة ، ونصر الناس معه الذلة ، فمن استنصر باللّه عز ، ومن استنصر بالناس ذل ، وهذا على أن « خير » وهي من أفعل التفضيل على بابه ، وقيل : إن أفعل التفضيل هنا على غير بابه ، وأن المعنى أنه لا ناصر إلا اللّه ، ولا ناصر سواه ، فنصره هو النصر ، ونصر غيره ليس بنصر . ثم بين سبحانه بعضا من أسباب نصره ، فقال : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً .